السيد علي صدر الدين المدني ( ابن معصوم )
53
رحلة ابن معصوم المدني ( سلوة الغريب وأسوة الأريب )
وخفّة كان أجود . والعنبر : سمكة كبيرة يتخذ من جلدها التّراس ، ويقال للترس : عنبر ، وقد يقال لهذه السمكة : البال . قال القزويني : البال : سمكة طويلة ، طولها خمسمائة ذراع أو أطول ، ويظهر في بعض الأوقات طرف جناحها كالشراع العظيم . وأهل المراكب يخافون منها أعظم خوف ، فإذا أحسّوا بها ضربوا لها بالطبول لتنفر عنهم . فإذا بغت على حيوان البحر بعث اللّه سمكة نحو الذراع تلصق بأذنها ولا خلاص للبال منها ، فتطلب قعر البحر وتضرب الأرض برأسها حتى تموت وتطفو على الماء كالجبل العظيم ، ولها أناس يرصدونها من تحت الريح ، فإذا وجدوها طرحوا فيها الكلاليب وجبذوها « 1 » إلى الساحل ، وشقوا بطنها واستخرجوا العنبر منها « 2 » ، انتهى . قلت : ولهذه السمكة حديث عجيب رواه البخاري وهو مشهور « 3 » . والسمك أنواع كثيرة ، ولكلّ نوع اسم خاص ، ومنها ما لا يدرك الطرف أولها وآخرها لكبرها ، وما لا يدركها الطرف لصغرها ، وكلّه يأوي الماء ويستنشقه كما يستنشق حيوان البرّ الهواء بالأنوف ، ويصل بذلك إلى قصبة الرئة . والسمك يستنشق بأصداغه فيقوم له الماء في تولّد الروح الحيواني في قلبه مقام الهواء ، وإنما استغنى عن الهواء في إقامة الحياة ولم نستغن نحن عنه وما أشبهنا من الحيوان ، لأنّه من عالم الماء والأرض دون عالم الهواء ونحن من عالم الماء والأرض والهواء - قاله الدميري في حياة الحيوان الكبرى - وهو صريح في أن الهواء لا يدخل جوفه . وقال أيضا لا يدخل جوفه هواء البتّة . وفي المسائل الطبيعية للحكيم أرسطا طاليس ما يدلّ على خلاف ذلك ، فإنه قال : ما بال السمك يعيش في الماء ، فإذا خرج منه إلى الهواء تلف ؟ لأن
--> ( 1 ) جبذ ، كجذب : وزنا ومعنى . ( 2 ) في دائرة معارف القرن العشرين 6 / 756 بحث عن منشأ العنبر وخواصه لا يخلو من فائدة . ( 3 ) أنظر البخاري 5 / 211 باب ( غزوة سيف البحر ) .